محمد بن علي الشوكاني
3546
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
الرخص المستلزم لانحطاط الثمن ، أو لأنهم يجهلون السعر الذي يبتدعه أهل الحضر فيبيعون بخص طيبة بذلك أنفسهم ، غير ملتفتين إلى القوانين المعروفة في الحضر . وعلى تقدير أنهم باعوا برخص جاهلين للغلا ، ولو علموا به لم تطب أنفسهم بذلك ، فهذا نوع من الغرر إذا طلبوا الفسخ به كان لهم ذلك . فالحاصل أن بيع البادي قد يحصل له الرزق للمشتري منه على هذه الاحتمالات ، ولا ينافيه ثبوت الخيار على تقدير من تلك التقادير ، فتدبر هذا الإجازة . وأما ما سأل عنه السائل - كثر الله فوائده - إذا كان المبيع الذي وقعت فيه المغابنة قد زاد أو نقص . فأقول : قد تقدم الدليل على ثبوت الرد للعين المغبونة ، فإذا ذهب بعضها ، وبقي البعض ، فهذا الحكم الذي أثبته الشارع للكل هو ثابت لذلك البعض ، بنفس ذلك الدليل ، ومن ادعى أن تلف البعض يمنع من ثبوت حكم الكل له فعليه الدليل ، ولا أعلم هاهنا دليلا يدل على اختصاص الرد بالكل لا بالبعض ، والأصل عدم وجود المانع حتى يقيم مدعيه البرهان عليه ، وهذه الأمور معلومة من قواعد الشريعة . وقد تكلم أئمة الفروع - رحمهم الله - في هذه المادة بتفاصيل ، وجمل معلومة عند من يعلمها ، ولكن فرض المجتهد أن يمشي مع الدليل على مقتضى قواعد علوم الاجتهاد . ويكون ما ذكرناه من رد البعض بحصته من الثمن بالنسبة إلى الكل ( 1 ) . وما أشار إليه السائل - كثر الله فوائده - من صنيع كثير من الحكام أنهم يأمرون بتقويم المبيع الذي وقع فيه الغبن ، ويلزمون المشتري ما نقص عن القيمة ، فهذا إن تراضيا عليه الخصمان ، فهو أقل مؤونة ، وأقرب مسافة ، والتراضي هو المناط الأكبر في تحليل أموال العباد ، وأما إذا وقف الخصمان على مر الحق ، وطلبا من الحاكم أن يقضي بينهما به ، فلا يجوز له أن يسلك هذا المسلك ، ويصنع هذا الصنع ، فإنه خلاف المسلك الشرعي
--> ( 1 ) انظر : " المغني " ( 6 / 223 - 225 ) " الأم " للشافعي ( 6 / 14 - 15 ) .